الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
31
شرح ديوان ابن الفارض
وقد قلت فيما يقارب المراد بعون اللّه رب العباد : وتنفس الصعداء ليس شكاية * مني لهجرك يا ضياء الناظر لكن بقلبي من جفاك تألم * فأرى بذلك راحة للخاطر والمعنى : هو صب مشتاق موصوف بأنه متى رجع ركب الحج تتابعت أنفاسه صاعدة إلى الجهة العلوية ممتدّة التطويل يستدل بنفسها الضعيف على القلب العليل . قوله « كلم السهاد » أي جرح مأخوذ من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام ، بمعنى الجرح . و « السهاد » بضم السين الأرق . « جفونه » جمع جفن وهو غطاء العين من أعلى وأسفل جمعه أجفان وأجفن وجفون وهو بفتح الجيم ويستحسن فيه الكسر . وقوله « فتبادرت » أي أتت عجلة . والعبرات : جمع عبرة بفتح العين مع سكون الباء في المفرد وفتحه في الجمع وهو الدمعة قبل أن تفيض أو تردّد البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء . ويقال استعبر ، أي جرت عبراته . والممزوج ، على صيغة اسم المفعول المخلوط من المزج بمعنى الخلط . و « الدماء » بكسر الدال جمع دم بالتخفيف وتشديده لغة قليلة . الإعراب : كلم : فعل ماض . السهاد : فاعله . وجفونه : مفتوحة منصوبة لسهرها . وقوله فتبادرت : معطوف على كلم والفاء في فتبادرت ، إشارة إلى أن تبادر العبرات ممزوجة بالدم مسبب عن كلم السهاد لجفونه إذ لا ريب في أن جرح الجفون يعقبه خروج الدمع مخلوطة بالدم . وقد قلت فيما يقرب من ذلك : رمى فأصمى الحشى مني وما علما * حتى رأى مقلتي القرحى تفيض دما وقلت أيضا في مثل ذلك من أبيات خمسة : وليس عجيبا أن دمعي أحمر * وفي باطني جرح ومن ناظري رشح وما أحسن ما أشار إليه القاضي أبو بكر ناصح الدين الأرّجاني حيث قال : دم القلب في عيني وتسخو بمائها * فقل في إناء لا بما فيه راشح وعبراته : مرفوع على أنه فاعل تبادرت . وممزوجة : بالنصب حال من عبراته . وقوله بدماء : متعلق بقوله ممزوجة ، وإنما كتبنا البيتين معا وتكلمنا عليهما جميعا لأن كلا منهما متعلق بوصف الصب لأن جملة كلم السهاد جفونه من وصفه ، أي هو موصوف بأنه قد جرح سهده الليالي جفونه .